رمز إنحطاط الزمن السوداني .. “المصباح” الذي يشتعل بدم الابرياء
خرطوم هايلايت- مصعب محمد علي
في سيرة المصباح أبو زيد طلحة، قائد كتيبة البراء بن مالك، تنعكس ملامح المأساة السودانية كما لو كانت مرآة مكسورة بائع أدوات منزلية بالأمس، يتجول بين أبواب المنازل والبنايات عارضاً أوانيه، يتحول بين ليلة وضحاها إلى أمير حرب يعتلي منصات القتال، محاطاً بجوقة التكبير ومصورا نفسه كبطل إسلامي يواجه الغزاة لكن خلف الصورة المعلبة للبطولة، يتبدى سجل من الدماء، الجرائم والانتهاكات التي تجعل من اسمه رمزا لانحطاط اللحظة لا لصعودها.
لم تولد كتيبته من فراغ هي الابنة غير الشرعية لـ”قوات الدفاع الشعبي” و”كتائب الظل”، تلك الأجهزة التي خلفها نظام البشير لتواصل حكم البلاد بالحديد والنار تتسمى بالبراء بن مالك لتتدثر بالرمزية الإسلامية، لكنها في الجوهر آلة ميليشياوية تديرها شبكة الإسلاميين المتمكنة، وتبني مجدها على أجساد الضحايا.
في الخرطوم وجنوبها، في سلاح المدرعات والقصر الجمهوري، لمع اسم المصباح. صعد كوجه إعلامي شاب، يعظ المجندين ويقاتل على الجبهات. غير أن لمعانه ليس إلا انعكاس الدم المسفوك: إعدامات ميدانية في الحلفايا، مقاطع رؤوس وتنكيل بالجثث، جرائم حرب في قرى الجزيرة، حيث تحولت الكتيبة إلى شبيه محدث لداعش، تستنسخ طقوس الرعب وتبث الخوف باسم الدين.
العالم لم يترك المشهد دون رد، الجمعة فرضت الولايات المتحدة عقوبات على الكتيبة التي يقودها، متهمة إياها بتقويض الاستقرار، وبتلقي السلاح والتدريب من الحرس الثوري الإيراني. العقوبات جمدت الأصول وحظرت التعاملات، محاولة عزل هذا الفصيل عن النظام المالي العالمي، لكنها، رغم قسوتها، لم تستطع بعد أن تكسر آلة الحرب، ولا أن ترد للضحايا حقهم.
المصباح اليوم اسم لامع لأنه يقف على قمة الخراب، لا لأنه يمثل خلاصا هو دليل حي على قدرة الإسلاميين على إعادة إنتاج أنفسهم من رماد كل هزيمة، وعلى استعدادهم لاستخدام الدين لتبرير القتل والتنكيل. أهدافه ليست سوى أهداف الحركة التي أنجبته البقاء في السلطة عبر تحويل الحرب إلى قدر أبدي.
في الحقيقة لا يضيء المصباح إلا بدم الآخرين. إن كان له من مكان في التاريخ، فلن يكون بين القادة ولا بين الأبطال، بل بين أولئك الذين حولوا حياة الأبرياء إلى جحيم، وجعلوا من الوطن ساحة مفتوحة للفناء.



