“دكاترتنا” نور العين .. الغيمة والمطرة
تجمع الأطباء السودانيين بالولايات المتحدة يمدّ شريان الحياة إلى مدينة طويلة المنكوبة
طاهر المعتصم – خرطوم هايلايت
في قلب الكارثة الإنسانية التي يعيشها السودان، وتحديداً في مدينة طويلة بشمال دارفور، يبرز نموذج نادر من التضامن والإنسانية تقوده منظمة تجمع الأطباء السودانيين بالولايات المتحدة (سابا)، التي حولت العمل الطبي التطوعي إلى جسر حياة يربط أبناء الوطن في المهجر بملايين المحتاجين في الداخل
من مبادرة إلى مؤسسة إنقاذ
تأسست سابا كمبادرة إنسانية طوعية تجمع الأطباء السودانيين والمختصين في مجالات الصحة العامة المنتشرين في أمريكا الشمالية وأوروبا وأفريقيا. ومع تصاعد الأزمات الصحية في السودان، تطورت لتصبح منظمة دولية مسجلة في الولايات المتحدة، السودان، تشاد، أوغندا، كندا وقطر، تعمل على دعم النظام الصحي وتنفيذ مشاريع الاستجابة للطوارئ وإعادة إعمار المرافق الطبية المتضررة.
ورغم بعد المسافة، لم تغب سابا يوماً عن المشهد الطبي في السودان، فقد دعمت أكثر من 34 مرفقاً صحياً داخل البلاد، وأعادت تأهيل 25 مستشفى ومركزاً من بينها مستشفى بحري ومستشفى إبراهيم مالك والمستشفى السعودي. كما أنشأت أكبر وحدة عناية مكثفة للأطفال في السودان ووحدة عناية حديثي الولادة تضم 42 سريراً في مستشفى بورتسودان التعليمي
العيادات المتنقلة.. مستشفيات على العجلات
إحدى العلامات البارزة في مسيرة سابا هي العيادات المتنقلة التي نفذت أكثر من 896 عيادة غطت 36 منطقة داخل السودان، مقدّمة التشخيص والعلاج المجاني للمواطنين في المناطق النائية التي انقطعت عنها الخدمات الصحية.
ولم تتوقف جهود المنظمة عند الطب وحده، بل امتدت إلى الأمن الغذائي عبر مشاريع المطابخ المركزية التي قدمت حتى الآن أكثر من مليوني وجبة للفئات الأشد حاجة في ولايتي الخرطوم وشمال دارفور.

طويلة.. سابا في خط النار الإنساني
اليوم، تقف سابا في مواجهة واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم داخل مدينة طويلة التي تستضيف أكثر من 652 ألف نازح، بينهم 379 ألفاً فروا من الفاشر منذ أبريل 2025، بعد أن ظلت المدينة تحت الحصار لأكثر من 500 يوم
في 26 أكتوبر 2025، أطلقت المنظمة خطة استجابة طارئة لتوسيع عمليات إنقاذ الأرواح، بالاعتماد على مشاريعها القائمة مسبقاً في المنطقة
في مجال الأمن الغذائي، توسعت سابا من أربعة إلى خمسة مطابخ مركزية توفر 21,500 وجبة يومياً، ووسعت نطاق التوزيع ليشمل 1,500 مستفيد إضافي عند نقاط الدخول الشمالية والشرقية للمدينة
أما في الخدمات الصحية، فقد رفعت العيادات الثابتة في منطقتي دالي ودبّه نايرة طاقتها من 85 إلى 210 مريض يومياً، بدعم من 18 موظفاً في كل عيادة، كما تم نشر عيادتين متنقلتين لتغطية المناطق الطرفية التي تستقبل أعداداً متزايدة من النازحين
وفي إطار مشروعات المياه النظيفة والصرف الصحي والنظافة (WASH) أنشأت فرق سابا محطة ضخ ، ووزعت أدوات الطبخ والبطانيات ومجموعات النظافة على أكثر من 500 أسرة نازحة، إلى جانب بناء مراحيض مؤقتة واستراحات في مداخل المدينة
رعاية لا تنام
الفرق الطبية التابعة لسابا تعمل على مدار 24 ساعة لتأمين الرعاية الصحية الأولية، ومعالجة الأمراض المزمنة، والاستجابة لحالات الطوارئ. ويقول الدكتور خالد بابكر، منسق سابا في دارفور
عندما وصل أطباؤنا إلى مدخل طويلة، انهاروا بالبكاء من هول المشهد… “أطفال ونساء وكبار سن وصلوا سيراً على الأقدام، لكن في عيونهم ما زال أمل الحياة”
نداء إنساني عاجل
تحذر سابا من أن طويلة لم تعد مجرد محطة نزوح، بل أصبحت “أزمة قائمة بذاتها” تحتاج إلى تدخل دولي عاجل لتوسيع خدمات الغذاء والصحة والمياه قبل وقوع المجاعة الوشيكة. وتدعو المنظمة رجال الأعمال والقطاع الخاص والسودانيين في المهجر إلى دعم جهود الإغاثة، والمساهمة في إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح التي تتشبث بالحياة رغم قسوة الظروف
“كل تأخير في الدعم يعني فقدان المزيد من الأرواح.” – بيان سابا
رغم المسافات والظروف، تواصل سابا إثبات أن الطبيب السوداني لا يغادر وطنه حقاً، بل يخدمه من كل مكان. وفي عالمٍ يزداد قسوة، يظل هذا التجمع الإنساني رمزاً للأمل والالتزام المهني والأخلاقي، ودليلاً على أن العطاء يمكن أن يصبح جسراً بين الغربة والوطن



