جبريل إبراهيم.. رجل التقافز بين الضفاف في فخ “الأرصدة المجمدة”
خرطوم هايلايت – مصعب محمد علي
ليس في سيرة جبريل إبراهيم ما يوحي بالثبات، فهو أشبه برجل يتقن العبور من ضفة إلى أخرى كلما تغير مجرى النهر. من طالب اقتصاد في جامعة الخرطوم، إلى مهاجر في اليابان يتقن لغتها ويقتنص درجتي الماجستير والدكتوراة، ثم أستاذ جامعي في الرياض، فمستثمر في الطيران، وأخيرا قائد ميليشيا ووزير مالية في دولة تتهاوى. هكذا تتقاطع حياة الرجل مع تحولات السودان نفسه من طموح مدني مأزوم إلى حرب أهلية مفتوحة.
حمل السلاح
ولد في الطينة بشمال دارفور عام 1955. حملته تقلبات الزمان إلى طوكيو حيث درس الاقتصاد، لكنه ما لبث أن عاد إلى وطنه محملا بأحلام كبرى سرعان ما ابتلعها صخب السلاح. بعد مقتل شقيقه خليل، تولى قيادة حركة العدل والمساواة عام 2012، وصار واجهة سياسية لمشروع مسلح ارتبط عضويا بالإسلاميين، حتى وهو يزعم الاستقلال عنهم.
الانقلاب والسلطة
حين أطاح قائد الجيش الفريق أول البرهان بالحكومة المدنية في أكتوبر 2021، لم يتردد جبريل في الانحياز للعسكر. كان يعلم أن الوقوف مع الانقلاب يعني البقاء في مقعد وزير المالية، حتى وإن توقفت مليارات الدعم الدولي وتحول السودان إلى عزلة خانقة.
صمته الموارب أو دعمه الضمني للانقلاب لم يكن سوى استثمار جديد رصيد من النفوذ مقابل دماء مدنيين تسفك.
الحرب
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، حاول الظهور كوسيط محايد، لكن سرعان ما انحاز إلى الجيش. لم يكن الأمر مجرد موقف عسكري، بل إعادة تموضع سياسي يضمن له دورا في موازين القوة الجديدة فالحركة التي رفعت شعارها العدالة والمساواة تحولت إلى ذراع من أذرع المؤسسة العسكرية، تسوغ الحرب بوصفها دفاعا عن المدنيين، بينما تتهم على الأرض بارتكاب انتهاكات لا تقل فداحة.
العقوبات الأمريكية
خرجت وزارة الخزانة الأمريكية بقرار فرضت من خلاله عقوبات عليه “رفقة مليشيا البراء بن مالك” بتهمة زعزعة استقرار السودان وتعزيز علاقاته مع إيران. لم تكن واشنطن تنظر إليه كخبير اقتصادي أو كوزير دولة، بل كسياسي مسلح يوظف المال العام لتعزيز تحالفات عسكرية وإيديولوجية، يربط الخرطوم بطهران في لحظة إقليمية مشبعة بالتوتر، ليقع في فخاخ “حظر الأموال” التي كنسها كنساً من موارد البلاد “السائية” في وقت الفوضى العارمة الذي تسيده أباطرة الحرب و أمراء تجارتها.
مطارد بالفساد
منذ توليه وزارة المالية، غرق اسمه في بحر الاتهامات تمويل حركته من خزينة الدولة، بيع مساعدات الإغاثة، تحويل الوزارة إلى إقطاعية لحركته وأقاربه، وإعادة تمكين شركات النظام البائد. ينفي دائما، لكن صورته في الشارع ارتبطت بالفساد والمحسوبية، حتى صار رمزا لزواج السلطة بالثروة، ولتفريغ الاقتصاد من أي معنى وطني.
المفارقة القاتلة
في شخصية جبريل إبراهيم تكمن مفارقة قاتلة: رجل درس علم الاقتصاد في اليابان، حيث انضبطت التنمية بالعلم والعمل، عاد ليحول وزارته إلى منصة تمويل حرب وفساد.
الأكاديمي الذي كان يمكن أن يبني اقتصادا مستقرا اختار أن يدخل أرقام الميزانية في معركة البندقية.
وهكذا يظل اسمه شاهدا على إحدى أعمق أزمات السودان كيف يبتلع مشروع السلطة كل ما عداه، ويحول السياسي والاقتصادي إلى وجه آخر للحرب.



