حين تتكسر الأقلام تحت أقدام البنادق.. تجنيد الأطفال في حرب السودان
مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان يحذر من تصاعد الانتهاكات ضد المدنيين
خرطوم هايلايت – مصعب محمد علي
نظم مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان بمشاركة لجنة المعلمين السودانيين وصحيفة صوت الضحايا ندوة بعنوان «القلم بدل البندقية»، ناقشت واحدة من أخطر تداعيات الحرب في السودان، وهي تصاعد ظاهرة تجنيد الأطفال في ظل اتساع رقعة النزاع المسلح وتزايد الانتهاكات بحق المدنيين.
وقدمت خلال الندوة الأستاذة نون كشكوش قراءة حقوقية وإنسانية معمقة تناولت حجم الظاهرة وآليات التجنيد والجهات المتورطة، وانعكاس ذلك على الأطفال وأسرهم، إضافة إلى التحديات القانونية المرتبطة بمساءلة المسؤولين والفجوة القائمة بين الالتزامات الدولية وواقع التطبيق.
وفتحت الندوة نقاشًا واسعًا حول مسؤولية المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية ودور الإعلام في كشف هذه الجريمة وسبل حماية الأطفال في مناطق النزاع، وسط تساؤلات جوهرية عن مصير جيل كامل يُدفع قسرًا نحو ساحات الحرب.
وتأتي هذه الفعالية في وقت يشهد فيه السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، وهي حرب لم تقتصر تداعياتها على المواجهات العسكرية، بل امتدت عميقًا إلى النسيج الاجتماعي للدولة، حيث وجد ملايين الأطفال أنفسهم خارج المدارس ومعرضين بصورة متزايدة لخطر التجنيد والاستغلال.
وتقول منظمات حقوقية ومعلمون وصحفيون إن الحرب التي اندلعت على خلفية صراع على السلطة بعد تعثر مسار الانتقال المدني أعادت إنتاج أنماط قديمة من عسكرة المجتمع، وكان التعليم من أكثر القطاعات تضررًا.
ويؤكد مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان أن الحرب لم تشهد أي برامج جادة لتأهيل المعلمين نفسيًا أو دعمهم ماديًا، رغم عملهم في ظروف استثنائية تتسم بانعدام الأمن وتدهور الخدمات وغياب الاستقرار.
وبحسب منى بلة إبراهيم، ممثلة لجنة المعلمين السودانيين، أُعيد خلال الأشهر الماضية فرض استقطاعات مالية على رواتب المعلمين تراوحت بين 3000 و10000 جنيه سوداني، في وقت لا يغطي فيه الراتب الأساسي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، ما فاقم هشاشة أوضاع المعلمين ودفع كثيرين منهم إلى مغادرة المهنة أو العمل في بيئات تعليمية غير مستقرة.
وترى بلة أن هذه السياسات لا تضعف التعليم فحسب، بل تسهم في تحويل المدرسة من فضاء تربوي إلى مساحة ضبط وانضباط قسري، حيث يتحول المعلم إلى أداة تنفيذ ويتحول الطالب إلى مادة قابلة للتعبئة، في سياق تتراجع فيه القيم التربوية لصالح خطاب تعبوي مرتبط بالحرب.
وأشارت إلى أن التقديرات التربوية خلصت إلى أن الاستجابة التعليمية خلال الحرب لم تتجاوز 24% من حجم الحاجة الفعلية، مقابل فجوة ترميمية تصل إلى 76%، ما يعني أن الغالبية العظمى من الأطفال لا يحصلون على أي شكل من أشكال التعليم المنتظم.
ومع إغلاق آلاف المدارس أو تحويلها إلى مقار عسكرية ومراكز إيواء، وجد الأطفال أنفسهم في الشوارع أو في بيئات نزوح تفتقر لأبسط مقومات الحماية، وهي أوضاع يقول ناشطون إنها تشكل بيئة مواتية لتجنيد الأطفال، سواء عبر الإغراء المادي أو الخطاب الديني والمناطقي أو استغلال الفقر وفقدان السند الأسري.

ويوضح مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان أن تجنيد الأطفال لا يقتصر على حمل السلاح أو المشاركة المباشرة في القتال، بل يشمل استخدامهم في الحراسة ونقل الإمدادات والعمل في نقاط التفتيش وجمع المعلومات، فضلًا عن الاستغلال الجنسي أو أي شكل من أشكال الدعم اللوجستي والعسكري المباشر وغير المباشر.
ويؤكد المرصد أن ما يسمى بالتجنيد الطوعي لا يمكن فصله عن السياق القسري للحرب، حيث يُدفع الأطفال إلى هذه الأدوار تحت ضغط الفقر وانعدام البدائل وانهيار التعليم، ما يجعل جميع هذه الممارسات انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي.
وبحسب رصد رئيس تحرير صحيفة أصوات الضحايا، فإن استخدام الأطفال لا يقتصر على طرف واحد، إذ وثقت حالات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب حركات مسلحة وقوات مشتركة ومجموعات محلية بدرجات متفاوتة.
وفي هذا السياق، عزز التقرير السنوي للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاع المسلح هذه المخاوف، إذ أدرج السودان خلال عام 2023 ضمن أكثر بؤر النزاع خطورة على الأطفال، وضم الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى ما يعرف بـ«قائمة العار» الأممية بسبب انتهاكات جسيمة بحق الأطفال.
وذكر التقرير أن الأمم المتحدة تحققت من وقوع 1721 انتهاكًا جسيمًا بحق 1526 طفلًا سودانيًا خلال عام واحد، من بينهم 480 طفلًا قُتلوا و764 أُصيبوا بجروح، فيما سجل عدد الانتهاكات الخطرة ضد الأطفال في السودان ارتفاعًا صادمًا بنسبة 480% مقارنة بالعام السابق.
وبحسب التقرير، نُسبت إلى القوات المسلحة السودانية مسؤولية قتل وإصابة أطفال وشن هجمات على مدارس ومستشفيات، بعضها باستخدام أسلحة متفجرة في مناطق مأهولة بالسكان، بينما نُسبت إلى قوات الدعم السريع، إلى جانب القتل والإصابة، هجمات مماثلة ووقائع عنف جنسي وتجنيد أطفال.
ويغطي التقرير ستة أشكال من الانتهاكات الجسيمة تشمل: القتل والتشويه، العنف الجنسي، الاختطاف، تجنيد الأطفال واستخدامهم، الهجمات على المدارس والمستشفيات، والحرمان من المساعدات الإنسانية، مؤكدًا أن الأرقام تعكس فقط الحالات التي تمكنت الأمم المتحدة من التحقق منها.
ويشير مراقبون إلى أن الخطاب المستخدم في عمليات الاستقطاب غالبًا ما يستند إلى الدين أو القبلية أو خطاب حماية الأرض والشرف، وهو خطاب يعيد إنتاج تجارب سابقة من عسكرة التعليم وتوظيف الأطفال في الصراعات المسلحة.
ويقول متحدثون إن تجنيد الأطفال في السودان ليس ظاهرة طارئة، بل امتداد لمسار طويل من إدخال المظاهر العسكرية إلى المدارس منذ عقود، من الزي إلى الطوابير والأناشيد التعبوية، ما أسهم في تطبيع العنف داخل الفضاء المدرسي.
وعلى الصعيد القانوني، ورغم مصادقة السودان على اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة والميثاق الإفريقي لحقوق ورفاه الطفل، وامتلاكه لقانون الطفل لسنة 2010 الذي يجرّم تجنيد الأطفال، فإن حقوقيين يقولون إن ضعف التنفيذ وغياب المحاسبة واستمرار القوانين العسكرية دون إصلاح أبقى هذه الالتزامات محدودة الأثر.
وفي محاولة للتصدي للظاهرة، أطلق صحفيون ومنظمات مدنية حملات توعوية بعد اندلاع الحرب ركزت على التحذير من مخاطر تجنيد الأطفال والدعوة إلى حماية المدارس كمساحات آمنة، غير أن القائمين عليها قالوا إنها واجهت تضييقًا وإغلاقًا رغم طابعها المدني.
ويحذر حقوقيون من أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح ودون مسار جاد للتحول المدني والإصلاح المؤسسي يهدد بإنتاج جيل نشأ في بيئة عنف، حيث يُعاد تعريف الوطنية عبر السلاح وتُفرغ المدرسة من دورها التربوي.
وأكد مشاركون في الندوة أنه إذا لم تستعد المدرسة بوصفها مساحة للحياة والمعرفة، فإن الحرب ستجد طريقها إلى الأطفال وستستمر حتى بعد أن تصمت البنادق.



