المدينة التي تقتات نفسها .. الخرطوم تأكل أشجارها
المدينة التي كانت تخضر وتزدهر باتت شاحبة جافة فالحرب أكلت أخضرنا واليابس أيضاً
خرطوم هايلايت
في زمن الحرب لم تعد الخرطوم تُروي أشجارها بل تُقطع. لا تُسقى، بل تُجزّ كي تُشعل نار الطهو.
المدينة التي كانت تخضرّ وتزدهر، باتت شاحبة، جافة، تتساقط منها الأغصان.
كما لم تعد الفؤوس أدوات نادرة. عادت إلى العمل . فمن علّقها ذات يوم على الجدران للذكرى، أنزلها الآن للحياة.
من اجل الاحتطاب داخل المدينة التي تتنفس كل يوم دخان الحطب
والاحتطاب لم يكن قرارا فرديا ولا مهنة جديدة نشأت من فراغ. كان ثمرة مرة لسلسلة طويلة من الانهيارات. بعد أن كانت الخرطوم مدينة تعج بالحياة، بالكهرباء المتوفرة، والمياه، وخدمات التوصيل، والمطاعم التي لا تنام، تحولت فجأة إلى قرية كبيرة معزولة، لا يصلها شيء من الخارج سوى أصوات المدافع، وجوع الداخل.
الأسواق أُفرغت من البضائع، شبكات الكهرباء خرجت عن الخدمة، غاز الطهو اختفى من المحال، وحتى من كان يملك المال لم يعد يستطيع شراء شيء. مع هذه الانهيارات المتوالية، صار الناس يعودون إلى أدوات البقاء الأولى، التي لم يكونوا يظنون يوما أنهم سيحتاجونها. بدأت الحياة تتراجع إلى الوراء، وعاد صوت الفأس يتردد في الأحياء، بدلا من أصوات السيارات والمولدات.
العاصمة التي كانت تُقارن بمدن الجوار من حيث الحركة والحداثة، تحولت إلى مشهد ريفي في قلب الخراب. النار عادت وسيلة للطهو، والحطب صار وقودا نادرا، وصار الناس يقايضون فروع الأشجار بوجبات طعام أو بقليل من الإنترنت للاتصال بمن غادروا. الخرطوم الآن لا تشبه الخرطوم، بل تشبه حياة قروية في أقاصي السودان… ولكن بدون أمن، وبدون غطاء من الطبيعة.
في أحياء مثل الصحافة جنوبي الخرطوم، لم يكن أمام الأهالي سوى التكيّف مع الندرة. سحبوا فؤوسا صدئة من زوايا البيوت، رمموها، سنّوها، وشرعوا في قطع الأشجار اليابسة والخشب المهمل على قارعة الطرق. ومع الأيام، صار الاحتطاب جزءا من الحياة اليومية، بل ومصدر دخل رئيسي. تحولت النقاشات بين الجيران من السياسة والحرب إلى نوعية الفؤوس الجيدة وأماكن الأشجار المتاحة، وانزلق المجتمع تدريجيا إلى نمط حياة شبيه بعصور سابقة: الجمع، والالتقاط، والاحتطاب.
سراج الدين معاوية، شاب عشريني، يقول ل(خرطوم هايلات) إنه فقد عمله بعد اندلاع الحرب، فلم يجد سبيلا للعيش سوى جمع الحطب. “ما كنا نتخيل في يوم نبيع اخشاب وقود، لكن بعد انعدام الغاز بدأنا نقطع كميات اكبر نغطي بيها طلب البيت ونبيع الباقي”. هو وصديقه أحمد لم يحددا سعرا ثابتا، بل اعتمدا على ما يستطيع الزبائن دفعه، تعاطفا مع ظروفهم.
ومع الوقت، تطور الأمر. دخلت المهنة مرحلة جديدة، أكثر تنظيما. أصحاب الأفران البلدية صاروا من الزبائن الدائمين، واتفقت الأسعار على سبعة آلاف جنيه للقنطار. في حال تعذر وجود ميزان، يُعتمد على كمية العربة اليدوية (الدرداقة). كذلك دخلت التكايا والمطابخ العامة على الخط، خصوصا تلك التي تخدم النازحين وتوفر وجبات جماعية، وغالبا ما يُمنح الحطب لها بأسعار أقل لأن غايتها ليست ربحية.
لكن التوسع في الطلب جلب تحديات جديدة. صارت الأشجار نادرة، والبحث عن الخشب أكثر صعوبة. اضطر سراج ورفاقه للتواصل مع نازحين عبر خدمة “ستارلينك” للحصول على إذن بقطع فروع الأشجار أمام منازلهم، مقابل دفع مساهمة شهرية للإنترنت تبلغ ألفي جنيه.

بدرالدين محجوب، موظف سابق في الطيران المدني، لم يكن أفضل حالا. مع استنزاف مدخراته، لجأ إلى صناعة الفحم. حفر كمينة خلف منزله، واستعان بابنه لمعالجة الأخشاب وتحويلها إلى فحم، رغم مشقة الحصول على مخلفات الحيوانات اللازمة للعملية. يبيع الفحم في أكياس بأوزان مختلفة، لكنه لا يتشدد في السعر. “مرات ببيع ٣ اكياس بالف جنيه.. حسب الزبون”، يقول بدرالدين.
تجارة الحطب والفحم ليست جديدة في السودان، لكنها لم تكن يوما بهذا الشكل الشعبي الواسع. في الريف، كان الاحتطاب جزءا من الاقتصاد التقليدي، لكنه صار اليوم ظاهرة حضرية، مدفوعة بالحرب، وبقاء الناس في مدن مقطوعة عن الخدمات.
هكذا صنعت الحرب واقعا جديدا، جعل من الفأس رمزا للبقاء. اختفت المواقد الحديثة، وعاد الدخان يعلو من زوايا البيوت، بينما تتقاسم الأسر ما تبقى من شجر الأرض



