كامل ادريس : كرسي منزوع الأرجل
حلقة مكررة من حكاية قديمة.. علي ماهر باشا في مصر وتكنوقراط باكستان تحت حكم ضياء
خرطوم هايلايت- مصعب محمد علي
حين حطت طائرة رئيس وزراء سلطة الأمر الوافع في بورتسودان كامل إدريس في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، الاثنين ، كان في استقباله نائب أمير المنطقة، لا الملك ولا ولي العهد ولا حتى وزير سيادي. مشهد بروتوكولي بارد سرعان ما تحول إلى مرآة سياسية رسالة صامتة تقول إن الرجل لا يمثل دولة كاملة، بل حكومة أمر واقع تحت الاختبار، وأن موقعه لا يتجاوز حدود الواجهة.
في السياسة، التفاصيل الصغيرة تنطق بما تعجز عنه التصريحات. استقبال باهت لرئيس وزراء يعني ببساطة أن صاحبه ليس إلا ظلا منزاحا، يملأ فراغ الصورة ويخفف من خشونة الجنرال الذي يحكم.
واجهة باردة لسلطة حديدية
كامل إدريس، القادم من أم درمان عبر قاعات الجامعات العالمية، رجل المنظمات الدولية “الويبو” لأكثر من عقد. غير أن هذا المنصب الأكاديمي والدبلوماسي تلاشى عند أول احتكاك ببارود الجنرالات. تحول من رجل يطرح “خطة مارشال لإعمار السودان” إلى رئيس بلا قرار، محاصر بموازين قوة تكتبها البنادق لا الأوراق.
قبوله المنصب بدا كمعضلة أخلاقية كيف يوافق على أن يكون رئيسا لحكومة يعلم مسبقا أنها منزوعـة المخالب، وأن كل الملفات السيادية – من الحرب إلى الدبلوماسية – محتكرة بيد قائد عام الجيش الفريق اول البرهان ومجلسه العسكري؟ أهو وهم القدرة على التغيير من الداخل، أم استسلام لفكرة أن الأكاديمية قادرة على ترويض المدافع؟
رئيس بلا دولة
في القمم الكبرى يظهر البرهان، يلتقط الصور، يخاطب المنابر، يحدد السياسات. أما إدريس، فيبقى في الصفوف الجانبية، مجرد ظل باهت يستدعى حين يحتاج العسكر إلى وجه مدني مصقول يلطف من غلظة مشهد الدم. رئيس وزراء بلا جواز سفر سياسي، بلا توقيع على القرارات الحقيقية، بلا سلطة تلامس جوهر الحكم.
مأزق النخب السودانية
قصة إدريس لا تنفصل عن أزمة أعمق عجز النخب المدنية عن مقاومة عسكرة الدولة. كثيرون قبله ارتضوا لعب الدور ذاته، ظنوا أن الكرسي يمنحهم سلطة، فاكتشفوا أنهم مجرد أدوات في مسرح الجنرال. إدريس نعم ليس طاغية ولا مجرما، لكنه مرآة مشروخة، تعكس للداخل والخارج صورة مدنية مخادعة بينما الحقيقة صلبة، عسكرية، قاسية.
ستارة على مسرح الخراب
التاريخ لن يذكر كامل إدريس كمنقذ ولا كمصلح. بل كستارة مؤقتة على مسرح الخراب، ستارة رفعها البرهان ليخفي خلفها وجهه العسكري العاري. في لحظة الحساب، سيكون هذا الدور – دور الواجهة – أشد إيلاما من أي هزيمة أن تختزل سيرة رجل بأكملها في وظيفة ظل باهت يخفف من فجاجة الجنرال.
التاريخ يعيد إنتاج الخديعة
إدريس ليس سوى حلقة مكررة من حكاية قديمة. علي ماهر باشا في مصر ناصر، التكنوقراط في باكستان تحت حكم ضياء الحق ومشرف، المدنيون الذين لبسوا بزة الحكم في ظل عسكر السودان من عبود إلى نميري والبشير. جميعهم ظنوا أن مقعد “رئيس الوزراء” يمنحهم سلطة، فاكتشفوا أنهم مجرد أقنعة مؤقتة، وأن الكرسي بلا أرجل حين يجلس عليه من لا يملك القوة.



