رواية النجاة.. مرشح منصب نقيب الصحفيين يبيع مكتبته ليحيا في الخرطوم المحترقة
وسط سوق محاصر بالموت من كل الارجاء
خرطوم هايلايت
وسط ركام الحرب وصوت الرصاص ورائحة الموت، جلس مصطفى مختار في ركن قصي من السوق المركزي جنوبي الخرطوم. اختار لنفسه زاوية قرب المدينة الرياضية، حيث بدأت الرصاصة الأولى لحرب السودان، ليعرض فيها ما تبقى له من حياة… مكتبته.
لم يكن مصطفى تاجرا ولا بائعا جوالا، ولم يعرف غير مهنة الصحافة التي أفنى فيها عمره. تدرج من محرر صغير حتى بلغ منصب رئيس التحرير، وكان قبل اندلاع الحرب مرشحا لمنصب نقيب الصحافيين السودانيين. لكنه الآن يجلس على كرسي خشبي مهترئ يعرض فيه كتبا لم يعد أحد يقتنيها في زمن الموت والجوع. كانت هذه الكتب زاده ورفاقه في درب المهنة، والآن صارت وسيلته الأخيرة لكسب لقمة العيش.
قال مصطفى بصوت واهن لـ “خرطوم هايلايت” إنه منذ اليوم الأول للحرب بقي في منزله بحي الصحافة رفقة أسرته. كانت أصوات الرصاص ترتعد لها الجدران، والموت يتجول في الطرقات. ومع اتساع رقعة النزوح وتوقف الأعمال، بدأ يشعر أن المهنة التي أحبها صارت تهمة. فالصحفي الذي لا ينتمي لطرف من أطراف الصراع يظل في نظر الجميع مشبوها. ومع القبضة الأمنية لقوات الدعم السريع، بدا العمل الصحفي كمن يسبح عكس التيار.
لم يكن أمامه غير أن يبحث عن حياة أخرى وسط الموت. فكر كثيرا في مهنة تليق برجل صحافة، حتى قرر أن يبيع كتبه، روايات ومعاجم وكتب فكر جمعها على مدى عقدين من الزمان. حزمها في حقيبة قماشية ومضى بها إلى السوق. لكنه في المرة الأولى عاد خالي الوفاض، فلم يكن للكتب مكان وسط طوابير الخبز وزحام الخضار.
في محاولة ثانية، وافق أحد أصحاب المحال التجارية أن يعرض مصطفى كتبه أمام متجره. نصب معرضا صغيرا، وجعل من العناوين لافتات للحياة وسط الركام. كان بعض المارة يحدقون بدهشة، وآخرون يقلبون الكتب بحنين. فكر مصطفى حينها أنه ربما يعيد شيئا من الروح لهذا المكان المنكوب.
لم يكن البيع وحده هو الوسيلة. لجأ مصطفى إلى تأجير الكتب مقابل مبلغ زهيد لمن لا يستطيع شراءها. صار الركن محطة للحديث عن الطيب صالح وأدهم شرقاوي، وعن كتب المناهج التي فقدها الطلاب بسبب الحرب. وبدأ يحس أن المهنة التي ابتكرها لنفسه صارت تؤتي ثمارها، ولو قليلا.
لكن الحرب لم تتركه. مرارا اقتادته استخبارات الدعم السريع إلى مكاتب التحقيق، اتهموه بأنه يتبع لاستخبارات الجيش، أو أنه عميل أمني متنكر. بعضهم كان يسخر منه، وآخرون يلقبونه بـ قريب البرهان. غير أنه لم ينكسر، وواصل عرض كتبه، وذات مرة اقترب منه أحد جنود الدعم السريع وقال له بهدوء إنه خريج جامعي وكان يعمل مترجما قبل أن يضطر للالتحاق بالقوات.
كان السوق تحت القصف المتكرر. وفي كل مرة يسمع أزيز الطائرات، ينبطح الباعة على الأرض حتى تمر الغارة، ثم يقومون لتفقد الجثث، ليلموا من تبقى من أشلاء الحياة. مع الوقت بدأت الحركة تخفت، وكثير من الباعة قرروا مغادرة المدينة.
يقول مصطفى إن تجربة بيع الكتب كانت الأكثر مرارة والأكثر سحرا في حياته. تعلم منها أن الحياة لا تنتهي، وأن الإنسان النبيل يمكن أن يجد رزقه في أبسط المهن ما دام شريفا. لكنه لا يخفي ألمه حين يقول إن أغلى ما باعه في حياته كانت مكتبته، لا لأنه استغنى عن المعرفة، بل لأنه أراد الخبز والدقيق لأطفاله.
ظل يردد كلمات عوض جبريل التي غناها ترباس عن الأيام والضيق والرجاء. وربما كان يرددها كل صباح وهو يفتح حقيبته، يصف كتبه على الطاولة، ويستعد ليوم جديد من البيع والحكايات.
وسط الحرب، وسط الخراب، وسط سوق محاصر بالموت، اختار مصطفى أن يكون بائع كتب. اختار أن يظل حيا.



