لماذا تمتلك مليشيات وتشكيلات عسكرية؟.. الحركة الإسلامية “أسيرة التمكين بالسلاح”
المؤتمر الوطني المحلول يستمد بقاءه من ترسانة القمع لا من شرعية الجماهير
خرطوم هايلايت
ظل حزب المؤتمر الوطني أسيرا لعقلية العسكر، يستمد بقاءه من ترسانة القمع لا من شرعية الجماهير. منغلقا على أدوات السيطرة الأمنية، ومعتقدا أن البندقية يمكن أن تعوض صناديق الاقتراع أو أن الخوف يمكن أن يحل محل الثقة الشعبية. هذه الذهنية جعلته يختار الانكفاء على نفسه بدل الانفتاح على المجتمع، والتماهي مع مؤسسات القهر بدل المغامرة في ساحة السياسة المفتوحة.
لكن هذا الخيار لم يكن بلا ثمن فالمؤتمر الوطني، وهو يرهن نفسه لتحالفات عسكرية مؤقتة، يجد نفسه في مواجهة مزدوجة من جهة مع مجتمع لم يعد يقبل بالوصاية ولا بالاستبداد، ومن جهة أخرى مع مستقبل يضيق ذرعا بالبنى المغلقة التي ترفض الديمقراطية والتجديد. إن الارتهان للقوة المسلحة قد يمنح الحزب وحركته الاسلامية عمرا إضافيا، لكنه عمر هش، محفوف بالعزلة والسقوط التدريجي من ذاكرة الناس.
بهذا المعنى، فإن معركته الحقيقية لم تعد مع خصومه السياسيين فحسب، بل مع الزمن نفسه فهل يستطيع أن يتحرر من قبضة العسكر ويندمج في حركة المجتمع، أم أنه سيبقى عالقا في قفص السلطة الصلبة، ليكتشف متأخرا أن السلاح لا يصنع أمة، وأن القمع لا يورث إلا الانكسار؟.
وفي قلب هذا الجدل حول حاضر السودان ومستقبله يبرز سؤال جوهري: لماذا يمتلك حزب المؤتمر الوطني ــ الذراع السياسية للحركة الإسلامية ــ مليشيات مسلحة وتشكيلات عسكرية ظلت حاضرة في المشهد منذ عقود؟
من “و أعدوا” إلى “أدعوا”
رئيس التجمع الاتحادي، القيادي في تنسيقية صمود والمتخصص في الجماعات الإسلامية، بابكر فيصل، يرى أن القضية ليست وليدة اللحظة، بل متجذرة في فكر جماعة الإخوان المسلمين منذ التأسيس. يقول فيصل:
“المرشد الأول حسن البنا وضع الفكرة بوضوح في رسائله، عندما تحدث عن تكوين 300 كتيبة يتم إعدادها نفسيا وروحيا وفكريا وجسديا لتكون جيش الإخوان القادر على استلام السلطة ومواجهة أي خصم.
ويمضي فيصل ليؤكد أن هذا الخط الفكري سار عليه سيد قطب ثم حسن الترابي، الذي بدأ مبكرا في زرع خلايا داخل الجيش السوداني بعد “المصالحة الوطنية” مع نظام نميري عام 1977. ومنذ ذلك الحين ارتبطت الحركة الإسلامية ارتباطا عضويا بالقوة العسكرية والأمنية، حتى تحولت إلى ما يشبه العقيدة السياسية.
ويضيف فيصل:
“بعد ثلاثين عاما من الحكم الاستبدادي والتمكين، أصبحت القوة المليشياوية هي العصا الغليظة التي يرفعها الإسلاميون في وجه أي تغيير. وقد فعلوا ذلك بالانقلاب على السلطة الانتقالية، وإشعال حرب 15 ابريل المدمرة الحالية.”
لكن فيصل يذهب أبعد من ذلك، قائلا إن المؤتمر الوطني لن يتخلى عن السلاح إلا إذا حدث تحول جذري في البناء الفكري، “يتحول شعارهم من السيفين المتقاطعين وكلمة (واعدوا) رمزا لقوة السلاح، إلى (ادعوا) دلالة على قوة الحجة والمنطق والجدال.”
أزمة الثقة في الديمقراطية
من جانبه، يقدم كمال عمر، القيادي في حزب المؤتمر الشعبي، قراءة مختلفة لكنها تلتقي في الجوهر مع ما طرحه فيصل. يقول عمر: “المؤتمر الوطني منذ استيلائه على السلطة ظل يدير البلاد بطريقة أمنية. لم يكن يملك مشروعا سياسيا شعبويا يستند على الجماهير، وكل تجاربه كانت تزويرا للإرادة، حتى في انتخاب أئمة المساجد.”
ويضيف: هذا الحزب لا يثق في نفسه ولا في مرجعية ديمقراطية، لذلك نشأ بأجسام أمنية وعسكرية اعتمد عليها حتى سقوطه. والمفارقة أن هذه الأجسام نفسها أسقطته في النهاية.”
ويرى عمر أن المؤتمر الوطني لا يزال يحاول استعادة مجده عبر العسكر والإجراءات الأمنية، لكنه حزب فقد أي سند شعبي، خاصة بعد اندلاع الحرب الأخيرة. ويخلص قائلاً: “المؤتمر الوطني عقلية عسكرية بالكامل، وسيؤول إلى مصير كل الأنظمة التي اعتمدت على العسكر، بلا مستقبل سياسي.”
كتائب العنف
منذ اندلاع الحرب الأخيرة، ظهرت على السطح كتائب الإسلاميين بأسماء مختلفة كتائب الظل، البراء بن مالك، وغيرها. عشرات المقاطع المصورة أظهرت ممارسات صادمة من قتل وتصفيات ميدانية وبقر بطون المدنيين، في مشهد غير مألوف حتى في الحروب السودانية الأكثر دموية.
استهدفت هذه الكتائب بشكل خاص رموز ثورة ديسمبر ولجان المقاومة وغرف الطوارئ الشعبية، موجهة رسائل مباشرة للثوار مفادها أن “كل ما قمتم به ذهب أدراج الرياح.” القيادي في كتائب البراء بن مالك، محمد عباس، لم يتردد في السخرية من جداريات الثورة وشعاراتها، في مشهد قصد به إظهار عودة “الكيزان” إلى الواجهة.
هذه الممارسات لم تكن بعيدة عن تهديدات قادة النظام البائد. فقد سبق لعلي عثمان محمد طه أن توعد الثوار بعبارته الشهيرة: “لدينا كتائب ظل تعلمونها جيدا.”
ليأتي ظهور كتائب البراء بقيادة المصباح طلحة تأكيدا عمليا على ما قاله الرجل.
المجتمع الدولي والرباعية
القلق من عسكرة الإسلاميين لم يقتصر على الداخل. فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كتائب البراء بن مالك، بينما أكدت الآلية الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، مصر،الإمارات) في بيانها الأخير ضرورة إبعاد الجماعات المتطرفة العنيفة، المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بجماعة الإخوان المسلمين، من تقرير مصير السودان.
يبقى أن المؤتمر الوطني وحلفاءه لا يزالون أسرى لعقلية “التمكين بالسلاح”، رغم التجارب التاريخية التي أثبتت فشل هذا النهج. فكما انتهت أنظمة مايو والبشير وغيرهما من الأنظمة العسكرية، يبدو أن مصير المؤتمر الوطني لن يكون مختلفا، خاصة في ظل الانقسام الشعبي الحاد وفقدان الحاضنة الاجتماعية.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل يمكن أن يتخلى الإسلاميون في السودان عن “عقيدة السلاح” ويجروا مراجعة فكرية تعيدهم إلى ساحة السياسة عبر منطق الحجة والفكر؟ أم أنهم سيواصلون الارتهان للمليشيات، فيصنعون بذلك نهايتهم بأيديهم كما حدث مع أنظمة عسكرية سبقتهم؟
في ضوء تصريحات قادتهم وممارسات كتائبهم على الأرض، يبدو أن الإجابة تميل نحو الخيار الثاني. لكن، كما أثبتت ثورة ديسمبر، فإن الشارع السوداني يملك قدرة على مفاجأة الجميع، وربما يكتب بدمائه من جديد فصل النهاية لهذه العقلية التي لم تجلب للبلاد سوى الخراب.



