رقمنة العنف: استهداف الناشطات على الوسائط يتحول لظاهرة في غياب القانون
رحمة عتيق الكنزي
تتصدى حملة الـ 16 يوماً لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعمل على إنهاء العنف ضد النساء والفتيات بجميع أشكاله.
وقد شكل التطور التكنولوجي المستمر، وبوتيرة سريعة للغاية، تحدياً جديداً. إذ سرعان ما برز العنف الرقمي ضد النساء كتعقيد حديث، يتطلب الوقوف عنده، والحد من مضاره.
عنف عابر للحدود:
تكمن خطورة العنف الرقمي في كونه لا يتأثر بالحدود الجغرافية، مع سهولة وسرعة انتشار المحتوى الذي يتضمن سلوكيات مؤذية للنساء عبر الإنترنت، مثل التهديدات والتنمر والتحرش ونشر معلومات أو صور خاصة دون إذن، مما يُقيّد حريتهن، ويُضرّ بسلامتهن النفسية، ووجودهن في الفضاء العام والرقمي.
ولذا كان شعار حملة الـ 16 يوماً لهذا العام “اتحدوا لإنهاء العنف الرقمي ضد النساء والفتيات”، حيث اهتمت الحملة بهذا الشكل الجديد من العنف، وطالبت بوضع أطر قانونية وسياسات تقنية فعّالة لحماية النساء، وضمان أن يكون الفضاء الرقمي مكاناً آمناً لهن.
العنف الرقمي وحرب السودان:
بعد اندلاع الحرب في السودان تعددت أشكال العنف الرقمي ضد النساء وتزايدت وتيرتها، فتم استهداف النساء الرافضات لاستمرار الحرب من السياسيات والناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان، وتم استخدام العنف الرقمي كسلاح جديد في الصراع، في ظل غياب تام للقانون. فصارت الناشطات السودانيات، “وخاصة السياسيات منهن”، هدفاً سهلاً للاعتداء عليهن عبر الإنترنت، ودون عواقب.
وتم إنشاء حسابات وهمية لناشطات معروفات، كما تم اختراق حسابات بعضهن لنشر معلومات كاذبة عنهن، أو صور مسيئة لهن، بهدف التشويه والتشهير وإثارة الكراهية ضدهن، وتقويض مصداقيتهن، فضلاً عن تعرضهن للتهديدات المباشرة بالعنف الجسدي، بالإضافة إلى الشتائم التي تستهدف شرفهن وكرامتهن، منها تهديدات ذات طابع عرقي – قَبَلي إمعاناً في زيادة حدة الاستقطاب المجتمعي.
وتهدف هذه الممارسات لإقصاء الناشطات السودانيات من المشاركة في مناقشة القضايا العامة. وفي بعض الحالات تم تعقبهن، واستغلال صورهن وبياناتهن الخاصة لغرض الابتزاز، وإجبارهن على التوقف عن نشاطهن، كجزء من استراتيجية أوسع، تهدف إلى قمع الأصوات الرافضة للحرب.
آثار نفسية واجتماعية:
هذا العنف يترك آثاراً نفسية واجتماعية وخيمة، فهو لا يؤدي فقط إلى إجبار الناشطة على الانسحاب من المجال العام والرقمي، بل يعرضها أيضاً لخطر العنف غير المتصل بالإنترنت، نتيجة التحريض والتعبئة ضدها. الشيء الذي يدفع بالعديد من النساء المؤثرات إلى الصمت خوفاً على سلامتهن وسلامة أسرهن، مما يضعف الحركة النسوية الحقوقية والمدنية. كما تساهم حملات الاستهداف الممنهجة في عزل النساء الفاعلات عن مجتمعاتهن المحلية، مما يزيد من احتمالات تعرضهن للخطر.
وتخشى العديد من الضحايا الإبلاغ عن الانتهاكات، إما بسبب الخوف من “الوصمة الاجتماعية”، أو لعدم الثقة في قدرة الأجهزة الأمنية والقضائية المحلية على تحقيق العدالة في ظل الحرب. كما إن أعداداً كبيرة من النساء لا يدركن طبيعة الجرائم الرقمية، أو سُبل التعامل القانوني معها.
غياب القانون:
ومن الواضح أن الأطر القانونية الحالية غير كافية للتعامل مع ظاهرة العنف الرقمي في ظل الحرب، كما إن غياب القوانين التي تجرم العنف الرقمي وتعزز أمن النساء الشخصي، يمنح الجناة فرصاً سانحة الإفلات من العقاب.
ولمواجهة هذه الظاهرة يمكننا البدء بتنفيذ برامج توعية شاملة حول مخاطر العنف الرقمي، وكيفية حماية الحسابات. وكذلك توفير الدعم النفسي والقانوني والتقني للناشطات لمواجهة الهجمات الرقمية، والعمل على تطوير وتفعيل الأطر القانونية التي تجرم العنف الرقمي، وتضمن المساءلة.
إن ضمان سلامة الناشطات السودانيات في الفضاء الرقمي، هو جزء لا يتجزأ من حماية حقوق الإنسان، إذ لا يمكن أن تستمر محاولات “رقمنة” العنف وإسكات الأصوات الداعية للسلام دون محاسبة.



