طاهر المعتصم
في زمنٍ أنهكته الحرب وأثقلته الخيبات، ما زال السودان يدهشنا بقدرته على النهوض من رماده الإنساني. فبينما تتواصل فصول المأساة في دارفور بعد سقوط الفاشر، عاصمة الإقليم الغربي التي شهدت موجات نزوح غير مسبوقة، برزت من أقصى الشمال مبادرات شعبية أعادت تعريف معنى الانتماء والتكافل، وأن “كل اجزئه لنا وطن” وذكّرت الجميع أن هذا البلد، رغم تمزقه، لا يزال يحتفظ بروحه ومورثاته كما قال شاعرنا الراحل اسماعيل حسن “وحتى الطير يجيها جيعان ومن أطراف تقيها شبع”
من قرية صغيرة تدعى “جبرونا”، تقع على ضفة النيل في منطقة “الغابة”شمال مدينة الدبة بنحو عشرين كيلومترًا، حيث هبط الاف الفارين من محرقة الدعم السريع في “الفاشر” خرج شباب في مقتبل العمر ليصنعوا ما عجزت عنه مؤسسات الدولة. في ظل ظروف اقتصادية خانقة، حيث تكدست محاصيل البلح والمانجو والبرتقال دون تسويق، قرر هؤلاء الشباب أن يتبرعوا بما لديهم — جوالات بلح، بعض النقود، وملابس مستعملة — ثم وضعوا ما جمعوه في سيارات القرية، وانطلقوا بها إلى النازحين، يحملون معهم ما هو أكبر من المساعدات، وهي رسالة التضامن مع اهلهم المهجرين قسرا من فاشر السلطان التي كان يخرج منها المحمل الشريف لكسوة الكعبة المشرفة.
تلك المبادرة، رغم تواضعها في محتواها، كانت عظيمة في معناها. فقد شكّلت شرارة لجهود مشابهة امتدت في القرى المجاورة، كالقوز وغرب دنقلا بحري، لتتحول الشمالية إلى جغرافيا للضمير الجمعي هناك، فتح الناس بيوتهم قبل أن تفتح الساحات، وقدّموا الماء قبل أن يُطلب، والطعام قبل أن يُسأل عنه، والمأوى قبل أن يُبحث عنه. لم يُعامل نازحو الفاشر كغرباء، بل كأهلٍ ضاقت بهم الأرض، وكأن صوت الضمير سبق كل توجيه رسمي غائب
تقول تنسيقية لجان المقاومة في الفاشر في بيانها الأخير “لقد جسّد أهل الشمالية والدبة المعنى الحقيقي للكرم السوداني الأصيل، إذ تسابقوا في فعل الخير وتنافسوا في إكرام ضيوفهم حتى فاض العطاء من كل بيت، وتدافعت المبادرات من كل صوب.”
هذه الشهادة، القادمة من مدينةٍ أنهكها القتال، هي اعتراف صريح بأن السودانيين أنفسهم هم من يرمّمون ما تهدم، ويضمدون جراح بعضهم في غياب الدولة. وهي تذكير بأن الحرب، رغم قسوتها، لم تستطع أن تنال من عمق القيم التي تربط الناس ببعضهم، تلك التي لا تُكتب في دساتير ولا تُقاس بالموازنات
فبينما يكدّ الفقراء في توفير أكياس البلح والدِّفَايات، تتلكأ السلطات المحلية ووزارة التنمية الاجتماعية في تقديم الحد الأدنى من الدعم أو الحماية. وكأن المبادرات الشعبية باتت، البديل الوطني لمؤسسات الدولة الغائبة بل هي فعل مقاومة ضد الانهيار، ومحاولة واعية لرتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب
في لحظة كهذه نستعيد قول شاعرنا الراحل محمد المكي ابراهيم حين قال “مدوا بساط الحب واغتفروا الذنوب، وباركوا هذي الشهور الضائعة”.
تبدو القصيدة كأنها كُتبت للسودان اليوم، وهي تدعو إلى استعادة المعنى الإنساني وسط الركام، وإلى الإيمان بأن العودة إلى “بساط الحب” هي أول الطريق إلى الوطن
لقد أضاء أهل الشمالية شمعة في زمن العتمة، وردّوا للإنسان السوداني اعتباره بعد أن حاولت الحرب أن تسرق منه كرامته. إن ما فعلوه في ( جبرونا والغابة والدبة) ليس مجرد تضامن إنساني، بل هو درسٌ في الوطنية البسيطة التي تُمارَس بالأفعال لا بالشعارات
وإذا كانت الفاشر قد سقطت عسكريًا، فإن الضمير السوداني لم يسقط بعد، وما زال يبرهن أن في هذا البلد من يستحق الحياة والسلام



