مقالات

ضحايا في عهد إدريس

من على الشرفة

طاهر المعتصم

لو أنّهم…
حزمةُ جرجيرٍ تُعدُّ كي تُباع
لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة
ما سلخت بشرتهم أشعةُ الظهيرة…
— صلاح أحمد إبراهيم

ليست المأساة في عدد الضحايا وحده، بل في اعتياد الفاجعة. خلال أربعة أيام فقط، تلقّى السودانيون صدمتين موجعتين تكشفان هشاشة الدولة وغياب الحماية في زمن الحرب

الحادثة الأولى كانت قصف حافلة تقل نازحين قادمين من منطقة دبيكر بولاية جنوب كردفان، في طريقهم إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان. استُهدفت الحافلة بطائرة مسيّرة عند المدخل الجنوبي للمدينة. وأعلنت منظمات طبية يوم 7 فبراير، مقتل 24 شخصًا بينهم 8 أطفال ونساء، وإصابة آخرين، جراء استهداف العربة من قبل قوات الدعم السريع.
كان الضحايا مدنيين عُزّل، يفرّون من جحيم الحرب إلى ملاذٍ ظنّوه أكثر أمانًا، فإذا بالموت يسبقهم إلى الطريق.

لم تمضِ أربعة أيام حتى فُجع الرأي العام بحادث غرق مأساوي أودى بحياة 21 شخصًا أثناء عبور عبارة نهرية بين قريتي “طيبة الخواض” و“ديم القري” بولاية نهر النيل. وبحسب روايات شهود نقلتها وكالة “فرانس برس”، كان القارب يقل نحو 30 شخصًا، نجا منهم ستة فقط، فيما تم انتشال 21 جثمانًا، مع استمرار البحث عن مفقودين. وأدانت شبكة الأطباء هشاشة النقل النهري وغياب اشتراطات السلامة، فضلًا عن التأخر الملحوظ في حضور فرق الإنقاذ.

القاسم المشترك بين الضحايا أنهم سودانيون، وجدوا أنفسهم في قلب حرب لم يختاروها، وفي ظل إدارة مدنية يفترض أنها جاءت لتعيد الانضباط إلى مؤسسات الدولة وتحمي ما تبقى من أرواح.

منذ تعيينه رئيساً لوزراء سلطة الامر الواقع، ينشط كامل إدريس في تحركات خارجية ولقاءات بروتوكولية، قادمًا من جنيف إلى جولات أوروبية، فيما تبدو الأولويات الداخلية مرتبكة. في الخرطوم العاصمة ، تُترك ملفات تنفيذية حساسة للجنرال إبراهيم جابر، بما في ذلك توقيع عقد صيانة جسر الحلفايا، وهو عقد أثير حوله جدل لعدم طرحه في عطاء معلن، قبل أن تتردد أنباء عن حل اللجنة المعنية به. كما أصدرت وزارة مجلس الوزراء قرارًا بعدم انضمام منسوبيها لأي جهة دون توجيه مباشر من المجلس، في مشهد يعكس ارتباكًا إداريًا لا يليق ببلدٍ ينزف يوميًا.

السؤال الجوهري ليس سياسيًا بقدر ما هو إنساني: ماذا كان يمكن أن يتغيّر لو كانت حماية المدنيين أولوية قصوى؟
لو وُفّرت مرافقة آمنة لحافلة النازحين عبر الطرق المهددة؟
لو جرى التنسيق مع الهلال الأحمر والصليب الأحمر لتأمين مسارات النزوح؟
لو توفرت وسائل سلامة كافية لعبّارات نهر النيل، أو زورق إنقاذ مرافق، أو فرق طوارئ مرابطة على الضفاف؟

في بلد يعيش حربًا مفتوحة، تصبح الحماية المدنية مسؤولية مضاعفة، لا خيارًا إداريًا مؤجّلًا.

التقاعس ليس مجرد قصور إداري؛ إنه كلفة بشرية تُدفع من دم الأبرياء

45 قتيلًا في أقل من أسبوع — بين قصفٍ وغرق — رقم يكفي لإعلان حالة طوارئ أخلاقية قبل أن تكون أمنية. استمرار التعامل مع المآسي كوقائع عابرة في نشرات الأخبار يعني أن الحبل على الجرار، وأن الموت بات حدثًا اعتياديًا.

الحكومة لا تُحاسَب فقط على ما تفعل، بل أيضًا على ما كان بوسعها أن تفعل ولم تفعل. حماية المدنيين ليست شأنًا ثانويًا في ظل الحرب، بل هي معيار الشرعية ذاته. وإن لم تكن دماء الأطفال والنساء دافعًا لإعادة ترتيب الأولويات، فبأي معيار تُقاس المسؤولية؟

في عهد إدريس، لا يُطلب المستحيل، بل الحد الأدنى: دولة تحرس طرق النزوح، تراقب معابرها النهرية، وتضع حياة مواطنيها فوق أي حسابات أخرى. لأن الوطن الذي لا يصون حياة أبنائه الذين يدفعون ثمن حرب فرضت عليهم، يفقد شيئًا من معناه كل يوم، مجلس الوزراء يتحمل جريرة ما يحدث للمدنيين، مهمة رئيسه ليست تنفيذ الأوامر العليا والجودية وتطييب الخواطر، بقدر ما تتطلب وضع الخطط ومتابعة التنفيذ.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى