مقالات

قتل الزوجات.. غريزة الرحيل والمطاردة

د. محمد حسن محمد أحمد

في عام واحد فقط، ثلاث طبيبات سودانيات شابات، انتهت حياتهن على يد أزواجهن في حوادث مأساوية لا يمكن وصفها إلا بأنها صادمة ومفجعة.

القاتل في الحادثة الأخيرة حسب البيان الصادر من المستشفي الذي تعمل فيه الطبيبة حضر إلى مكان عمل طليقته، وسدد لها ستة عشر طعنة أمام زملائها ومرضاها، دون أن يمنعه الوازع الأخلاقي والديني او يردعه الخوف من القانون والمجتمع.

الملفت ليس فقط توالي هذه الحوادث، بل تشابه أنماطها وحدّة العنف فيها. بعض التعليقات الشعبية ربطت بين هذه الجرائم وبين ما قيل عن تفاوت اجتماعي أو تعليمي بين القاتل والمقتولة، وهي فرضية محتملة لكنها غير مثبتة، ولكن الأهم والأخطر من ذلك هو تفكيك البنية النفسية لهذه العلاقات التي تحولت من زواج تحفه المودة والرحمة إلى عنف وقتل ودماء.

علم النفس الإكلينيكي يرصد نمطين معروفين في العلاقات السامة: الرجل النرجسي المتحكم الذي يرى في زوجته امتدادا لسلطته، والمرأة المتسلطة التي تنزع إلى الهيمنة العاطفية أو الاجتماعية. في الحالتين، لا تُبنى العلاقة على الشراكة بل على السيطرة. وعند فشل الطرف المسيطر في فرض إرادته، خاصة في حالة الانفصال أو الاستقلال، يمكن أن تنقلب الرغبة في السيطرة إلى سلوك تدميري.

من زاوية علم النفس التطوري، بعض الرجال في المجتمعات التقليدية تربوا على أن الزوجة (ملكية خاصة) وكأنها كائن منبت ليس له جذور ولا أهل ولا ماضي ولا مستقبل ، وأن فقدانها، خاصة لصالح رجل آخر بعد الطلاق ، هو تهديد للهيبة الذكورية والمكانة الاجتماعية. هذا الشعور، حين يتضخم في شخصية نرجسية، يدفع البعض إلى تبرير العنف كاستعادة (للملكية المفقودة).

لكن كيف يمكن تجنب الدخول أصلا في زواج يحمل هذه البذور السامة؟

عند الرجال، أول المؤشرات تكون الغيرة المرضية morbid jealousy ، النزوع الي فرض عزلة اجتماعية، السيطرة المالية، التقليل من شأن الزوجة، والتقلبات المزاجية الغاضبة.

أما عند النساء، فالمؤشرات تشمل التحقير المتكرر ، محاولات العزل عن الأهل ، المبالغة في التوقعات العاطفية والمادية، والانفجارات الدرامية المتكررة.

الوعي، إذن، هو خط الدفاع الأول. لا يكفي الحب أو التوافق الظاهري. فحص البنية النفسية للطرف الآخر، وملاحظة أنماطه السلوكية في مواقف الغضب أو الرفض أو الخلاف، أكثر أهمية من المؤهل أو الدخل أو الشكل وأكثر أهمية من الاعتماد علي ما يقوله الشخص عن نفسه لأن الأفعال افصح واصدق من الكلمات كما يقول المثل.

إن القتل اي قتل لا يمكن ان يكون رد فعل طبيعي لأي فعل فما بالك بقتل شريكة الحياة وأم الأبناء.
قتل الزوجة هو نتيجة منطقية لاضطراب وتشوه في بنية الوعي والوجدان، ولا يمكن تبريره بحدة العاطفة أو بالغيرة. هؤلاء القتلة ليسوا ضحايا للحب ولكنهم جلادونه. وما لم نواجه هذه الظاهرة بصدق ودراية، ونزيل عنها غطاء التبرير، سنراها تتكرر والي ان نفعل ذلك فكل زوجة هي ضحية محتملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى