وثقت لمجازر بشعة.. “بعثة تقصي الحقائق”: فظائع حرب السودان “منهجية”
استهداف مستمر للمدنيين وجرائم ضد النساء والأقليات
خرطوم هايلايت
أصدرت بعثة تقصي الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة تقريرها الأحدث عن النزاع في السودان، كاشفةً عن حجم الفظائع والانتهاكات التي ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بل وحتى الإبادة الجماعية في بعض الحالات.
استهداف المدنيين بشكل ممنهج
أكد التقرير أن طرفي النزاع، القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وحلفاؤها، ارتكبوا انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين. شملت تلك الانتهاكات القصف الجوي والمدفعي على القرى والمستشفيات ومخيمات النزوح، مما أدى إلى تدمير البنى التحتية الأساسية وتحويل مناطق كاملة إلى أماكن غير صالحة للعيش.
وأشار رئيس البعثة محمد عثمان شاندى إلى أن المدنيين “يدفعون الثمن الأكبر”، حيث يتعرضون للاعتقال التعسفي والتعذيب والحرمان من الغذاء والدواء والخدمات الصحية، في ظروف وصفها بأنها ليست مجرد مآسٍ عابرة بل “استراتيجيات متعمدة ترقى إلى جرائم حرب”.
الجرائم ضد النساء والأقليات
كشف التقرير أن قوات الدعم السريع استخدمت التجويع والاغتصاب والاستعباد الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي كسلاح في الحرب. النساء والفتيات، خاصة من جماعات غير عربية مثل الفور والمساليت والزغاوة والتنجر، تعرضن للاغتصاب الجماعي والزواج القسري، وبعض الضحايا كن دون الثانية عشرة.
كما أوردت شهادات مروعة عن تعذيب جنسي داخل أماكن الاحتجاز، في ظل إفلات واسع من العقاب. ووصفت الخبيرة نغوزي جوي إيزيلو كل حالة بأنها “حياة محطمة وصدمة نفسية لا يمكن تصورها”.
مجازر موثقة وموجات نزوح
أبرز التقرير مجزرة أبريل 2025 في محيط الفاشر، حيث قُتل ما بين 300 و500 مدني معظمهم من النساء والأطفال. كما أشار إلى عمليات قتل جماعي استهدفت قرى بكاملها، خاصة في ولايات دارفور وجنوب الجزيرة.
النتيجة المباشرة لهذه الهجمات كانت نزوح أكثر من 12 مليون شخص، أي ما يعادل نصف سكان السودان تقريبًا، وسط أزمة إنسانية تُعد من الأسوأ عالميًا.
استهداف العاملين في المجال الإنساني
منذ أبريل 2023 وحتى أبريل 2025، وثقت البعثة مقتل أكثر من 84 من عمال الإغاثة واعتقال آخرين تعسفيًا. كما جرى نهب القوافل الإنسانية ومنع وصول المساعدات، وهو ما اعتبرته البعثة سياسة متعمدة لتجويع المدنيين.
إفلات من العقاب ودعوة للتحرك الدولي
شددت البعثة على أن غياب المساءلة داخل السودان يكرّس استمرار الجرائم، ودعت إلى إنشاء آلية قضائية دولية مستقلة بدعم من المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات محددة على المسؤولين عن الفظائع، إضافة إلى حظر توريد الأسلحة.
الخبيرة منى رشماوي أوضحت أن “كل يوم يمر دون مساءلة هو خيانة للضحايا”، مشيرة إلى أن المساءلة ليست خيارًا بل “ضرورة أخلاقية وقانونية لحماية المدنيين ومنع المزيد من الجرائم”.
تقرير بعثة تقصي الحقائق لم يكتفي برصد المآسي، بل يضع خريطة طريق نحو العدالة، تبدأ بوقف العنف وضمان حماية المدنيين، وتمر عبر إنهاء الإفلات من العقاب، لتصل إلى تحقيق انتصاف حقيقي للضحايا. ومع استمرار الحرب، يبقى المدنيون، خاصة النساء والأطفال، في قلب الكارثة الإنسانية والسياسية في السودان.



