تقارير

صراع “الصندلايز” المحموم.. حين تروي حرب التوحش فصولها

خرطوم هايلات – عمر الفكي

في قلب الخرطوم المشتعل، حيث تماهى صيف يونيو اللاهب مع أصوات المدافع والانفجارات، برز مشهد غريب في ميدان كرة  القدم بمدينة الصحافة. كان أحمد محمد حسن، الشهير بـ”حمدتو”، طفلا يافعا يتجول على ظهر حصان عثر عليه هائما وسط الميدان، يطوف به شوارع المدينة كأنه فارس في زمن السقوط الكبير. حين سأله المارة عن مصدر الحصان، رد ضاحكا: “لقيتو مع خيول تانية في الميدان”.

كانت تلك الخيول، كما قال أحد الحاضرين، تعود إلى إسطبلات قريبة من المنطقة، خيول النخبة التي كانت ترعى بعناية، تأكل أفضل الطعام، وتعيش في مقرات مجهزة، وتشارك في سباقات العاصمة مساءات الخرطوم المزدهرة. فجأة، سقط كل شيء. هرب أصحابها من نيران الحرب، وبقيت الخيول تتجول تائهة، تبحث عن عشب أو ظل أو يدٍ تمتد لها.

لكن الخيول لم تكن الوحيدة في رحلة التيه. القطط والكلاب أيضا، تلك التي كانت جزءا من تفاصيل بيوت الخرطوم، بأسمائها وسلوكها اليومي، وجدت نفسها وحيدة، جائعة، تركها أهلها خلفهم في نزوح جماعي هربا من الجحيم.

في شارع صغير بحي الصحافة بالعاصمة الخرطوم، تجمعت أعداد من هذه الحيوانات حول بيوت من تبقى من السكان. في ظل غياب الطعام، صارت تلك الحيوانات تقاسمهم الشارع والانتظار، بذيول تهتز فرحا حين تشتم رائحة طعام.

كان الحل مؤقتا. اتفق سكان الحي مع عامل أثيوبي يعمل في مطعم قريب أن يمدهم ببقايا الطعام لإطعام الحيوانات. لم تكن المسألة سهلة، فالعامل كان يبيع هذه البقايا أصلا لفقراء لا يملكون ثمن وجبة كاملة. ذات مرة اندلعت مشاجرة بسبب أحقية من يدفع أولا. كان الطلب على بقايا الشواء والفراخ كبيرا. يسميها الناس هناك “الصندلايز” – ما تبقى من وجبة فاخرة لا يحلم بها كثيرون.

ورغم كل شيء، كان العامل يوافق أحيانا على إعطائهم نصيبا من تلك البقايا. يعودون بها إلى الحي كمن ربح معركة، يفرزونها: الصغيرة للقطط، والكبيرة للكلاب. يضعون القطط في فناء مغلق حتى لا تخطف الكلاب نصيبها، بينما تشتد المنافسة أمامهم بين كلاب هزيلة تنهش قطعة لحم بعيون جائعة.

لكن لم يكن كل شيء سهلا. المطعم كان أيضا تجمعا لجنود الدعم السريع، وصار هدفا محتملا لغارات الجيش وسلاح الطيران. ذات صباح، خرج صاحب القصة مع صديقه وليد الطاهر بحثا عن الخبز. مروا بالمطعم، وفكرا في انتظار حصة “الصندلايز”، لكن الوقت لم يكن مناسبا. واصلا طريقهما شرقا، وبعد لحظات دوى انفجار عنيف. ضرب القصف المطعم، وتحول المكان إلى جثث وأشلاء. لولا تأخرهم، لكانوا بين الضحايا.

عادوا إلى الحي وهم يرتجفون. كانت أعينهم تبحث عن العامل الأثيوبي. هل نجا؟ هل أصيب؟ مرت أيام  دون طعام للحيوانات. ثم، بعد أسبوع، ظهر العامل في الشارع، أصيب بجروح طفيفة في البطن واليد، لكنه نجا. كشف عن جراحه، ودعا له الجيران بالشفاء.

غير أن الحياة لا تنتظر، ولا تعود. تلك القطط والكلاب، التي اعتادت على وجبة يومية، ظلت تأتي، تلوح بذيولها، تنتظر شيئا ما. لكن “الصندلايز” توقفت. الحرب أغلقت المطعم، مزقت الممرات، وغابت الوجبات كما غابت أشياء كثيرة أخرى في المدينة التي تغير كل شيء فيها، حتى وجبة كلب أو قطة.

هكذا، تروى الحرب فصولها الصغيرة، لا فقط بالمدافع والقذائف، بل أيضا بمشهد حصان يتجول في شارع، وكلب ينتظر وجبة لن تأتي، وطفل يتعلم في صيف الخرطوم كيف تطحن الحرب كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى